تاريخ المغرب فترة الانتشار الأجنبي (الفنيقيون- القرطاجيون- الرومان- الوندال).

 المغرب فترة الانتشار الأجنبي (الفنيقيون- القرطاجيون- الرومان- الوندال).

 تاريخ المغرب فترة الانتشار الأجنبي (الفنيقيون- القرطاجيون- الرومان- الوندال).


ساهم التموقع الاستراتيجي للمغرب في إثارة اهتمام بعض الدول الأجنبية، مما جعله على مر العصور ملتقى للحضارات. حيث توافد عليه الفينيقيين من آسيا منذ حوالي 3000 سنة بغرض التجارة وليس الاحتلال، وقد نزلوا بالسواحل المغربية، فوطدوا العلاقات مع البربر عبر التجارة، إذ كانوا يجلبون الحلي والأثواب والأدوات والسلاح، ويحصلون منهم على الحيوانات والصوف والجلد والزرع، حيث أسس الفينيقيون مراكز تجارية بكل من امليلية وطنجة والعرائش لتسهيل التبادل التجاري. مما ساهم في التأثير على البربر بتعلمهم الكتابة.

وحوالي 814 قبل الميلاد فرت الأميرة الفينيقية المسماة عليسا إلى افريقية ( تونس حاليا) وأسست بالقرب منها مدينة قرطاج حيث استطاعت تكوين دولة بها مستقلة عن الدولة الفينيقية في آسيا، والتي أصبحت تضاهي الدول القوية. قادت الأطماع الاستعمارية القرطاجيين إلى الاستيلاء على المراكز الفينيقية بشواطئ المغرب ناقضة كل الاتفاقيات التجارية التي كانت بينها وبين البربر، واغتصبوا أرضهم وأثقلوا كاهلهم بالجبايات واستخدموهم في الجندية قسرا. كل هذا أثر على نفوس البربر، وعندما وقعت الحروب البونيقية بين القرطاجيين والرومان من سنة 264 قبل الميلاد إلى سنة 146 قبل الميلاد، استغل البربر الفرصة وأسسوا دولة بالمغرب الأقصى والأوسط ، وقد كان ذلك من أكبر دواعي الانحلال للدولة القرطاجية، وقد تعلم البربر عن يد القرطاجيين عصر الزيت والخمر وصناعة التعدين...إلخ.

بعد غلبة الرومان للقرطاجيين، أرادوا الاستحواذ على كل ما كان بيد القرطاجيين بشمال افريقيا، لكن جوبهوا من لدن زعماء البربر، فـ"يوغرطة" الذي كان ملكا على الجزائر ووهران والمغرب الشرقي ظل ثائرا ضدهم إلى أن تم القبض عليه سنة 106 قبل الميلاد، على إثر سجنه ألحق الإمبراطور الروماني كلود الأول المغرب الأوسط والأقصى بالإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى المغرب الأدنى. على إثر هذه السيطرة، قام الرومان بتقسيم المغرب إلى أربعة أقسام وهي كالتالي:

افريقية: شرق تونس.

نوميديا: غرب تونس وشرق الجزائر.

موريطانية الشرقية: غرب الجزائر.

موريطانيا الغربية: المغرب الأقصى وعاصمتها طنجة.

ومن أهم مدن موريطانيا الغربية العرائش وأصيلا وسلا على الشاطئ ومدينة وليلي الداخلية، كل هذه المدن كانت تابعة للوالي الروماني الذي يمثل السلطة العسكرية والمدنية، ومن تلك المدن كان الرومان يحملون إلى اسبانيا وإيطاليا الخشب والزيت والزرع والحيوانات الدجنة، وكذلك العبيد الذين كان المغاربة يجلبونهم من السودان. أما المناطق الجبلية فقد كانت في نزاع مع السلطة محتفظة على استقلالها. وكل ما سبق ذكره جعل البربر ينظرون إلى الرومان بعين الريبة ويفرون بحريتهم إلى المرتفعات. وقد ترك الرومان على المستوى المادي بعض المآثر كالطرق والقناطر والمدن وأهمها مدينة وليلي.

ولما ضعفت الدولة الرومانية، أراد الوالي" بونيفاس" الاستفراد بالمغرب، فطلب الد. من أصهاره الوندال (قبيلة من القبائل الجرمانية)، لكن ملكهم استعان بجيشه البالغ حوالي 80 ألف جندي ليستولي بدوره على المغرب لنفسه بدل تقديم المساعدة، حينها أدرك "بونيفاس" الخطر، فحاول صدهم لكن بدون جدوى، على إثرها لاذ بالفرار، واستحوذ الوندال على المغرب، الذين تركوا به إلا الخراب والدمار والهدم. لكن عندما تولى "يوستينيانوس" عرش الدولة الرومانية الشرقية واستعاد مجدها، بدأ في إستراتيجية الهجوم بدل الدفاع، وكانت خلالها دولة الوندال تعرف انقساما، وحتى البربر كانوا يعانون من تسلطهم، فسنحت الفرصة لإمبراطور روما وشن هجوما عنيفا عليهم سنة 533م، فقضى عليهم واستولى على العاصمة قرطاج، ثم تابع حملته إلى أن استولى على المغرب الأقصى، ودخل المغرب مرة أخرى تحت سيطرة الرومان. حيث عاد الرومان إلى الاستبداد والاستغلال، فنفر منهم البربر وثاروا ضدهم، وقد قتلوا الملك "سولومون" سنة 545م، وظلت المناوشات بينهم وبين الرومان في أخد ورد ، حتى جاء الإسلام وتم فتح المغرب.

الفتح الإسلامي ببلاد بالمغرب 

لم يكن هدف الفتح الإسلامي استعماريا، بل جاء لنشر الإسلام وانقاد البشرية من عبادة الأوتان وتحقيق العدالة المطلقة، لذا لم يحدد بلدا خاصا بل سلك طريقا عاما يأخذ بيد الإنسان، من آسيا إلى إفريقيا، ومن مصر إلى المغرب الأدني، ثم المغرب الأوسط، ثم المغرب الأقصى.

كثر عدد سكان الجزيرة التي كان يقطنها العرب مع ظهور الإسلام، إذ أصبحوا في أمس الحاجة إلى موارد العيش التي أصبحت قليلة بالمنطقة، مما اضطرهم إلى النزوح طلبا للبحث عن الرزق والقيام بالدعوة الإسلامية تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتحركت فيالق من جيش المسلمين في البداية نحو الشرق، فسيطروا على المناطق التي كانت خاضعة للروم والفرس، ثم وجهوا بوصلتهم نحو بلاد المغرب الذي هو موضوع دراستنا، والذي اختلفت الكتابات حول حدوده، فهناك من يقول هو المجال الواقع غرب نهر الفرات وتشمل مصر وبلاد المغارب زيادة على الأندلس، بينما هناك من حددها في الأقاليم الواقعة غرب مصر، فيما ابن خلدون حددها في بلاد طرابلس وتشمل الأقاليم التي يسكنها الأمازيغ، تحد شرقا بصحراء ليبيا وغربا بالمحيط الأطلسي وجنوبا ببلاد السودان وشمالا بالبحر الرومي أي البحر الأبيض المتوسط حاليا

ساهمت عدة عوامل في إطالة أمد الفتح الإسلامي بالمغرب بمفهومه الواسع، والتي تبلغ حوالي سبعين سنة، وتعود هذه العوامل إلى تشكل البنية التضاريسية لبلاد المغرب وقوة المقاومة البربرية التي كانت بجانبها عناصر من البيزنطيين.

مر الفتح الإسلامي لبلاد المغرب بمفهومه الواسع بالتدريج، إذ في المرحلة الأولى اعتمد على الاستطلاع والاستخبار والدراسة، أما في المرحلة الثانية لجأ إلى الفتح المنظم. ولما وصل العرب إلى مصر، فرضت الظروف على والي مصر آنذاك عمرو بن العاص التوسع نحو برقة للحفاظ على مصالح العرب بمصر ولمواجهة الخطر البيزنطي الذي كان يهدف إلى استرجاع مصر عن طريق طرابلس وبرقة، وقد أصبحت هذه الخطة التي لجأ إليها عمرو بن العاص منهاجا أساسيا لمن أتي من بعده من الولاة، وذلك ببعث أشخاص للاستخبار والاستطلاع وإعداد التقارير على المناطق المستهدفة من مجال جغرافي وسكان، قبل المباغتة بواسطة الجيش الذي يحتل المنطقة.

تعود بداية الفتح الإسلامي ببلاد المغرب إلى 642م، إذ كان عمرو بن العاص واليا على مصر، وكان الهدف من هذا الفتح الحد من أطماع البيزنطيين وتوفير الأمن بالحدود الغربية المصرية التي تعد البوابة الوحيدة التي يمكن للروم الدخول منها لاستعادة مصر.

فبعد خضوع مصر، وجه عمرو بن العاص بوصلته صوب بلاد المغرب وذلك بتعيين عقبة بن نافع الفهري على بعثة استخباراتية إلى برقة، وبعد الاضطلاع على التقارير التي رفعت إليه في هذا الشأن، والتي تحمل بين طياتها سهولة مأمورية فتحها، قرر عمرو بن العاص التوجه إليها على رأس جيشه، وعندما ولجوا برقة قدمت قبيلة الواثة البربرية من البربر البتر) الطاعة والولاء، حيث فرض الجزية عليهم والمتجلية في دفع دينار واحد على كل بالغ، وتمت المصالحة فيما بينهم. هذه المعاهدة اطمأن لها عمرو بن العاص لأنها جعلت أهل لواتة إلى جانب المسلمين والأكثر من هذا اعتناق 

البعض منهم الإسلام. وفتح كذلك إقليم طرابلس، وفي نفس الفترة تم فتح ودان على يد بسر بن أرطأة، وفزان من لدن عقبة بن نافع الفهري سنة 644م.

وقد كبرت طموحات عمرو بن العاص، حيث طلب من الخليفة عمر بن الخطاب بالاستئذان له لفتح المناطق التي تخضع لسيطرة البيزنطيين خارج افريقية، لكن عمر رفض بداعي انتشار جيوش المسلمين بمناطق شاسعة، وعدم الاستقرار التام بالمناطق التي تم فتحها. وبعد مقتل عمر بن الخطاب سنة 644م، أسندت الخلافة إلى عثمان بن عفان، الذي قام بعزل عمرو بن العاص ونصب مكانه عبد الله بن أبي سرح على مصر، كما واصل عثمان الفتح الإسلامي ببلاد المغرب، حيث شن عبد الله بن أبي سرح حملته سنة 648م على طرابلس، ثم على المغرب الأدنى الذي كان تحت سيطرة البيزنطيين، وطلبوا من حاكمها "جريجوريوس" الملقب بجرجير الدخول إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فرفض هذا الأخير. وقد تكرر هذا الطلب عدة مرات، وأمام إصراره على الرفض نزل المسلمون بمنطقة سبيطلة الواقعة جنوب غرب القيروان، فدخل المسلمون في مناوشات مع البيزنطيين

إذ كان جرجير لم يرد الدخول في معركة مع المسلمين، خوفا مما اكتسب هؤلاء من انتصارات في كل من العراق والشام ومصر وبرقة
تكررت المناوشات والتي كانت لا تطول مدتها، حيث قرر القائد عبد الله بن الزبير بن العوام اللجوء إلى خطة مباغتة جيش الروم عندما ينال العياء منهم، فقضى على معسكرهم، وقتلوا جرجير، مما أربك خطط الجيش البيزنطي والذي تم هزمه سنة 649م، وسميت هذه المعركة بمعركة سبيطلة. رضخ البيزنطيون إلى دفع الجزية سنويا للمسلمين مقابل رحيل جيشهم، فتمت الموافقة على ذلك لكي يعود إلى مصر وتبقي حملة عبد الله بن أبي سرح تجربة رائدة للمسلمين، إذ تفرقوا على أحوال تلك البلاد وعن أهميتها بالنسبة لهم.
اندلعت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان، وكذلك الصراع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان حول الخلافة، حيث شل الفتح الإسلامي لمدة طويلة، إلى أن تولى معاوية بن أبي سفيان سنة 662م، والذي قرر خلالها إعادة فتح إفريقية ومتابعة الفتح الإسلامي ببلاد المغرب، أنيط هذا الأمر إلى القائد معاوية بن حديج سنة 666م. الذي حمل جيشه إلى منطقة "قمونية" الموجودة جنوب قرطاجة وأقام بها معسكرا، ومنها بدأت تتوالى الضربات على البيزنطيين بافريقية، إذ استولى عبد الله بن الزبير على المدن الساحلية منها قابس وبنزرت وسوسة، كما استولى عبد الملك بن مروان على حصن جلولاء الهام بعد اشتباكات عنيفة، اتخذ معاوية بن حديج من جبل القرن مقرا له، إذ بني على مشارفه عدة مساكن وحفر الآبار، سميت هذه المنطقة بالقيروان. ويعتبر معاوية ابن حديج أول من شید الحاميات بإفريقية بعد كل ما قام به عمرو بن العاص من تشييد بمصر، وعلى إثر كل ما سبق بدأ الفتح الإسلامي أكثر تنظيما.
بدأت عملية الفتح الإسلامي بطريقة منظمة مع تولي عقبة بن نافع الفهري على افريقية بعد عزل ابن حديج من لدن الخليفة معاوية بن أبي سفيان، لقد قال عقبة بن نافع لأصحابه "إن افريقية إذا دخلها أمير تحزم أهلها بالإسلام فإذا خرج منها عاد أهلها إلى الكفر، وإني أرى أن أتخذ بها مدينة نجعلها معسكرا وقيروانا تكون عزا للإسلام إلى آخر الدهر".
فتح عقبة بن نافع الفهري سنة 667م فزان وما وراءها من تخوم السودان الغربي فخضعت للعرب، ثم أتمم حملته إلى افريقية وفتح قفصة وقسطيلية، حيث بني معسكرالقيروان سنة 671م (مدينة القيروان بتونس)، وقد اختار هذا المكان لأنه يتميز بالخصب، ويعتبر محورا رئيسيا للقوافل التجارية، علاوة على بعده من البحر الذي كان يسيطر عليه الروم والفرنجة لتوفرهم على أسطول قوي، وقد شيد عقبة بهذا الموقع مسجدا، فأصبح هذا المعسكر محجا للناس ومركزا للعلم والحضارة الإسلامية
لكن في سنة 671م، قام معاوية بن أبي سفيان بتقسيم جديد، حيث نصب فاقر ابن حديج على مصر، فيما ولی عقبة على افريقية. وبعد ذلك دامت ولاية عقبة بن نافع الفهري على افريقية خمسة سنوات، وبعد نهايته من تشييد القيروان تم عزله من لدن الخليفة معاوية بن أبي سفيان نتيجة الوشايات التي كانت تحاك ضده من لدن مسلمة بن مخلد والي مصر، ونصب مكانه أبو المهاجر دینار، هذا الوالي الذي قضى سبع سنوات في منصبه، حيث استقطب البربر البرانس إلى المسلمين رفقة زعيمهم کسيلة (من قبيلة أوربة) الذي اعتنق رفقة عدد كبير من قومه بعدما كانوا حلفاء للبيزنطيين، وبمساعدة كسيلة استطاع أبو المهاجر أن يستولي على جنوب قرطاجة، واجتاح المغرب الأوسط حيث سيطر على مدنه الساحلية
وبعد وفاة معاوية بن أبي سفيان سنة 680م، تولى الخلافة من بعده ابنه يزيد، الذي قام بعزل أبو المهاجر وتنصيب عقبة بن نافع الفهري مرة ثانية على افريقية بداعي حماسته النشر الإسلام. وعند عودته استخلف زهیر بن قيس على القيروان وشن حملته الكبرى إلى أن وصل إلى سواحل المحيط الأطلسي، هذه الحملة التي شارك فيها إلى جانبه كسيلة رفقة أعداد من البربر، إذ تمكن المسلمون من السيطرة على قرطاجة والانتصار على الروم والبربر بالمغرب الأوسط، غير أن كسيلة بمعية أصحابه انسلخ بعد سوء المعاملة التي تلقاها من عقبة، حينها قرر الانتقام لرد الاعتبار له ولأصحابه
بعد ذلك أخد عقبة وجهته صوب المغرب الأقصى، إذ ولجه سنة 682م وواصل حملته إلى أن توقف بالمحيط الأطلسي وقال قولته الشهيرة " اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد سواك".
عاد عقبة بعد النصر إلى المغرب الأوسط رفقة كتيبة صغيرة لإخضاع منطقة تهودة، حيث باغته كسيلة بجيش ضخم وعلى إثرها مات رفقة أبو المهاجر، وسميت بمعركة تهودة التي وقعت سنة 684م. ولما علم نائبه بالقيروان زهیر بن قيس البلوي بموته، قرر الرجوع إلى برقة، مما فتح الطريق لكسبلة السيطرة على القيروان بدون خسائر سنة 684م ، وبعد هذه الأحداث نصب زهیر بن قيس البلوي على المغرب سنة 689م، ووضع عبد الملك بن مروان تحت إمرته جيشا ضخما، فنازل كسيلة إذ تم قتله وانهزم جيشه، لكن الروم والفرنجة اجتمعوا وقاتلوا العرب، فتمت تصفية زهير بن قيس البلوي في نفس السنة.
وبعد أن نزع عبد الملك بن مروان الخلافة من ابن الزبير سنة 693م، أولى اهتماما إلى المغرب وذلك بتعيين حسان بن النعمان عليه، فهزم حسان الروم إذ أصبح المغرب من برقا إلى المغرب الأقصى تحت سيطرته، ونصبت الكاهنة "ديهيا بنت تابنة على البربر بعد وفاة كسيلة، حيث استفسر حسان بعض البربر المسلمين على سيرتها، فصرحوا له " إن جميع من بافريقية منها خائفون وجميع البربر مطيعون فإن قتلتها دان لك المغرب كله، ولم يبق لك مضاد ولا معاند". فسار حسان نحو جنود الكاهنة، ولم علمت بهذا نهجت سياسة الخراب والتدمير أو ما يسمى اليوم بسياسة الأراضي المحروقة، كل هذا أضر بمعظم أنصارها من النصارى والأفارقة، فانقلبوا ضدها، إذ استنجدوا بحسان من الكاهنة، فيما استغل البيزنطيون غلبة الكاهنة للعرب، ونظموا هجوما بحريا بقيادة يوحنا لاستعادة قرطاجة، حيث تم قتل عدد من المسلمين ونهبوا ممتلكاتهم وذلك سنة 698م.
مكث حسان ببرقة ينتظر الدعم من الخليفة عبد الملك الذي كان منشغلا بإخماد الفتن بالمشرق، وقد توصل به بعد مرور ثلاثة سنوات، لكن عينه كانت على الكاهنة وزمرتها، إذ كان دائم الاتصال بخالد بن يزيد الذي كان يزوده بكل كبيرة وصغيرة. هذا الدعم الذي يتكون من 40.000
مقاتل من العرب والبربر، ولما علمت "ديهيا" بضخامة هذا الجيش، غادرت جبل الأوراس، وتركت ابنيها لخالد بن يزيد وأمنته عليهما، مما يشي على أنها قررت القتال إلى حين الموت، فالتقى جيش حسان بجيشها سنة 702م عند بئر الكاهنة، فهزمها رفقة جيشها وقتلها، وبذلك تم القضاء على المقاومة بالمغرب الأدنى، كما شن هجوما آخر على الروم واسترجع قرطاجة مع أخذ الحيطة والحذر من المفاجأة عن طريق البحر، حيث بني مدينة تونس على بعد حوالي 19 كيلومترا شرق قرطاجة وجعلها قاعدة عسكرية بحرية، إذ شيد بها دار الإمارة وثكنات للجنود، وبني به مسجد الزيتونة، وقام بتجديد مسجد القيروان سنة 703م. كما اهتم بتنظيم الإدارة بافريقية، وعمل على نشر الدين الإسلامي بين البربر واللغة العربية، هذا الدين الذي اعتنقه عدد هائل من السكان، إذ أصبح البربر جزءا لا يتجزأ من المسلمين.
لكن في سنة 704م، تم عزله من لدن عبد العزيز بن مروان والي مصر وعين مكانه موسی بن نصير على افريقية أواخر سنة 704م، وفي نفس السنة بدأ موسی بن نصير فتح قلعة زغوان وضواحيها وهي منطقة تتوسط تونس والقيروان، هذه الرقعة التي كان يسكنها البربر يتزعمهم ورقطان، الذين كانوا يقومون ببعض الهجمات من فينة إلى أخرى على المسلمين، إذ أرسل لهم القائد عبد الملك الخشيني رفقة 500 فارس، حيث تم القضاء على أمرهم، كما بعث كذلك القائد عياش بن أخيل إلى قبائل هوارة وزناتة فقتل منهم عددا كبيرا
على إثره تم عقد الصلح مع المسلمين، أما كتامة فقد صالحت موسی بن نصير، وقد كان موسی بن نصير يعتمد على الاستخبار حول ما يروج داخل القبائل، ومنها قبيلة صنهاجة التي توصل الأمير بتقارير حولها، إذ قام بإرسال 4000 جندي حيث هزموا جيشها، ثم توجه إلى البحر متم سنة 704م وقام بالغزوة المعروفة بالأشراف والتي وصل فيها إلى صقيلية وغنم غنائم كثيرة بداية سنة 705م، إذ قدم موسی بن نصير بيعته إلى الوليد بن عبد الملك، هذا الأخير الذي عينه واليا على افريقية والمغرب. وعندها أعطى موسی أوامره للقائد عياش بن أخيل بفتح ما وراء المغرب، حيث فتح رقوسة جنوب صقلية، فيما فتح عبد الله بن مرة سردينيا في نفس السنة.
أما المغرب بمفهومه الواسع فقد تم فتح جل ربوعه باستثناء المغرب الأقصى، فخرج موسی بن نصير على رأس جيشه للفتح من افريقية إلى المغرب، فعندما سمع العرب بهذا فروا إلى أقصى الغرب، فطاردهم وقتل الكثير منهم بإقليم موريتانيا، ووصل زحفه إلى حدود سوس الأقصى سنة 706م، مما أربك حسابات البربر، فاستأمنوا العرب على أنفسهم، فاستسلموا وخضعوا للعرب واعتنقوا الإسلام، إذ عين موسی بن نصير القائد طارق بن زياد على طنجة وبرفقته 17 رجلا يعلمون البربر القرآن وينشرون تعاليم الإسلام، ولم يفلح موسی بن نصير فتح سبتة بسبب الأحداث التي كانت تصلها عن طريق البحر.
خلف الفتح الإسلامي ببلاد المغرب وحدة عقائدية واجتماعية وثقافية وسياسية، إذ ساهمت القبائل في دعم ونشر الإسلام والحضارة الإسلامية، والأكثر منها تجاوز الإطارالقبلي ونشأة ما يسمى بالدولة الإسلامية. ورغم اندماج البربر كان متذبذبا فإن أبو المهاجر دينار استقطب العديد من البربر للدخول إلى الإسلام وعلى رأسهم القائد كسيلة، وقد مثل كذلك البربر ثلث جيش زهير بن قيس البلوي، كما أن كسيلة لما دخل القيروان لم يدمرها وأمن أهلها، كما ساهمت سياسة القائد حسان بن نعمان في اندماج البربر بالحضارة الإسلامية وعلم رهائن البربر تعاليم الإسلام، والذين بدورهم نشروه بين ذويهم، وشاركوا في الفتوحات وحصلوا على نصيبهم من الغنائم وتسلق العديد منهم الرتب العسكرية، وإن معاملة القادة الفاتحين للسكان المحليين كانت معاملة جيدة بعيدة كل البعد عن الاستبداد والقهر، بل كان هدفهم رفع راية الإسلام. كل هذا ساهم في تلبية الدعوة وانضمام البربر إلى المجتمع الإسلامي الجديد عن اقتناع.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المغرب ما قبل التاريخ

المغرب القديم الفينيقيون والقرطاجيون